الشنقيطي

273

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يؤمر بذلك لاحتجوا عليه بما عندهم في التوراة من أنّه سيحول إلى بيت اللّه الحرام ، والفرض أنه لم يحول . وقد أشار تعالى إلى هذه الحكم التي هي إدحاض هذه الحجج الباطلة بقوله : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ البقرة : 150 ] ثم بين الحكمة بقوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [ البقرة : 150 ] الآية . وإسقاط هذه الحجج من الدواعي التي دعته صلى اللّه عليه وسلم إلى حب التحويل إلى بيت اللّه الحرام المشار إليه في قوله تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : 144 ] الآية . المسألة الخامسة - اعلم أن النسخ على ثلاثة أقسام : الأول - نسخ التلاوة والحكم معا ، ومثاله ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي اللّه عنها قالت : « كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن . . » الحديث « 1 » . فآية عشر رضعات منسوخة التلاوة والحكم إجماعا . الثاني - نسخ التلاوة وبقاء الحكم ، ومثاله آية الرجم المذكورة آنفا ، وآية خمس رضعات على قول الشافعي وعائشة ومن وافقهما . الثالث - نسخ الحكم وبقاء التلاوة ، وهو غالب ما في القرآن من المنسوخ ؛ كآية المصابرة ، والعدة ، والتخيير بين الصوم والإطعام ، وحبس الزواني . كما ذكرنا ذلك كله آنفا . المسألة السادسة - اعلم أنه لا خلاف بين العلماء في نسخ القرآن بالقرآن ، ونسخ السنة بمتواتر السنة . واختلفوا في نسخ القرآن بالسنة كعكسه ، وفي نسخ المتواتر بأخبار الآحاد . وخلافهم في هذه المسائل معروف . وممن قال : بأن الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب ، وأن السنة لا تنسخ إلا بالسنة الشافعي رحمه اللّه . قال مقيده عفا اللّه عنه : الذي يظهر لي - واللّه تعالى أعلم - هو أن الكتاب والسنة كلاهما ينسخ بالآخر ؛ لأن الجميع وحي من اللّه تعالى . فمثال نسخ السنة بالكتاب : نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت اللّه الحرام ؛ فإن استقبال بيت المقدس أوّلا إنّما وقع بالسنّة لا بالقرآن ، وقد نسخه اللّه بالقرآن في قوله : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [ البقرة : 144 ] الآية . ومثال نسخ الكتاب بالسنة : نسخ آية عشر رضعات تلاوة وحكما بالسنة المتواترة . ونسخ سورة الخلع وسورة الحفد تلاوة وحكما بالسنة المتواترة . وسورة الخلع وسورة الحفد : هما القنوت في الصبح عند المالكية . وقد أوضح صاحب ( الدر المنثور ) وغيره

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الرضاع حديث 24 .